بقلم: الدكتور أحمد أبو العلا
استشاري أمراض الباطنة
في السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة مقلقة في العديد من الأحياء السكنية، تتمثل في تجمع أعداد كبيرة من الشباب في الشوارع والنواصي والساحات المفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، وسط أحاديث صاخبة وضحكات مرتفعة وأحيانًا تشغيل للموسيقى أو استخدام الدراجات النارية والسيارات بصورة تسبب إزعاجًا مستمرًا للسكان. وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أنها لم تعد مقتصرة على بعض المناطق الشعبية أو الشوارع التجارية، بل امتدت إلى العديد من التجمعات السكنية الحديثة والكمبوندات التي أنشئت أساسًا لتوفير الهدوء والخصوصية وجودة الحياة.
ولا أحد يعترض على حق الشباب في الترفيه أو اللقاء بالأصدقاء أو ممارسة الأنشطة الاجتماعية، فهذه أمور طبيعية وصحية ومطلوبة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى اعتداء على حقوق الآخرين في الراحة والنوم والهدوء، خاصة في أوقات متأخرة من الليل، دون مراعاة لوجود مرضى أو كبار سن أو أطفال أو طلاب يستعدون للامتحانات.
ومن الناحية الطبية، فإن الضوضاء الليلية المستمرة تمثل أحد أهم أسباب اضطرابات النوم المزمنة، والتي تؤثر بصورة مباشرة على صحة الإنسان الجسدية والنفسية. فالنوم ليس رفاهية كما يعتقد البعض، بل هو ضرورة حيوية يحتاجها الجسم لاستعادة نشاطه وتنظيم وظائفه المختلفة. وعندما يتعرض الإنسان للاستيقاظ المتكرر بسبب الأصوات المرتفعة، تبدأ سلسلة من المشكلات الصحية التي قد تتفاقم مع مرور الوقت.
فالمرضى الذين يعانون من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم قد تتأثر حالتهم سلبًا نتيجة التوتر المستمر وقلة النوم، كما أن مرضى السكري يواجهون صعوبة أكبر في ضبط مستويات السكر بالدم عند اضطراب النوم بشكل متكرر. كذلك يعاني مرضى الجهاز الهضمي والقولون العصبي من زيادة حدة الأعراض نتيجة الإجهاد العصبي وقلة الراحة، بينما يواجه كبار السن معاناة مضاعفة بسبب حساسية أجسامهم لأي اضطراب في ساعات النوم الطبيعية.
أما الطلاب، خاصة طلاب الثانوية العامة والجامعات، فهم من أكثر الفئات تضررًا من هذه الظاهرة. ففترة الامتحانات تتطلب أعلى درجات التركيز والاستيعاب، والنوم الجيد يعد أحد أهم عوامل النجاح والتحصيل الدراسي. وقد أثبتت الدراسات الطبية أن قلة النوم تؤثر سلبًا على الذاكرة والانتباه والقدرة على استرجاع المعلومات، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الأداء الأكاديمي للطلاب ومستقبلهم العلمي.
ولا تقتصر الأضرار على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، حيث يشعر كثير من السكان بحالة من التوتر والغضب والعجز نتيجة عدم قدرتهم على الحصول على حقهم الطبيعي في الهدوء داخل منازلهم. ومع تكرار هذه المواقف تنشأ مشكلات وخلافات بين الجيران قد تتطور إلى نزاعات لا داعي لها، كان يمكن تجنبها بمجرد التحلي بقليل من الذوق العام واحترام الآخرين.
والمؤسف أن بعض الشباب ينظرون إلى هذه التجمعات باعتبارها أمرًا عاديًا لا يسبب أي ضرر، بينما الواقع يؤكد أن هناك مريضًا يحاول النوم بعد يوم طويل من المعاناة، أو طالبًا يراجع دروسه استعدادًا لامتحان مصيري، أو موظفًا يحتاج إلى الراحة ليستطيع أداء عمله في اليوم التالي، أو طفلًا يحتاج إلى نوم هادئ لنموه الطبيعي.
ولعل ما يثير الانتباه أن تعاليم ديننا الحنيف سبقت جميع القوانين واللوائح في تنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وإرساء قواعد احترام الطريق وحقوق الآخرين. فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فقالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، فقال: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». وإذا كان كف الأذى من أعظم حقوق الطريق، فإن الأذى لا يقتصر على الاعتداء المباشر، بل يشمل كل سلوك يسبب إزعاجًا للناس أو يحرمهم من حقهم في الراحة والسكينة. ومن هنا فإن السهر الصاخب ورفع الأصوات في ساعات الليل المتأخرة وإقلاق راحة المرضى وكبار السن والطلاب يتنافى مع جوهر هذه القيم النبوية الراقية التي تدعو إلى الرحمة ومراعاة أحوال الآخرين واحترام حقوقهم.
كما أن الأضرار الصحية الناتجة عن الضوضاء المستمرة لا تتوقف عند اضطرابات النوم فقط، بل تمتد آثارها التراكمية إلى العديد من أجهزة الجسم. فقد تؤدي حالة التوتر المزمن الناتجة عن الضجيج المستمر إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر، وهو ما يرفع من احتمالات الإصابة بمضاعفات القلب والأوعية الدموية، كما قد يؤثر سلبًا على كفاءة الجهاز المناعي ويزيد من حدة بعض أمراض الجهاز التنفسي لدى الفئات الأكثر حساسية، فضلًا عن تأثيره المباشر على الصحة النفسية ومستويات القلق والانفعال لدى الأفراد.
والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الأسر انتقلت إلى التجمعات السكنية الحديثة والكمبوندات هربًا من صخب المدن المزدحمة، وسعيًا وراء بيئة أكثر هدوءًا وراحة لأبنائها، إلا أن بعض هذه المظاهر السلبية بدأت تتسلل إليها تدريجيًا، حتى أصبح بعض السكان يشعرون بأنهم فقدوا الميزة الأساسية التي دفعتهم لاختيار هذه المجتمعات السكنية من الأصل. فالهدوء ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل عنصر أساسي من عناصر جودة الحياة، وحق مشروع لكل إنسان داخل منزله، بغض النظر عن عمره أو حالته الصحية أو طبيعة عمله.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك مجتمعي وتشريعي أكثر فاعلية لمواجهة هذه الظاهرة التي باتت تؤرق آلاف الأسر. فمع أهمية القوانين الحالية المنظمة للسكينة العامة، إلا أن الواقع يؤكد الحاجة إلى آليات أسرع وأكثر حسمًا في التعامل مع شكاوى الإزعاج المتكرر، خاصة في المناطق السكنية. فكما تحمي القوانين الممتلكات العامة والخاصة، يجب أن تحمي أيضًا حق المواطن في الراحة والنوم والعيش في بيئة صحية مستقرة. إن الإزعاج المتعمد والمتكرر لم يعد مجرد مخالفة سلوكية أو تجاوز للذوق العام، بل أصبح في كثير من الأحيان مصدرًا مباشرًا للضرر الصحي والنفسي والاجتماعي، الأمر الذي يستدعي تغليظ العقوبات وتسريع إجراءات التعامل مع هذه المخالفات بما يحقق الردع ويحفظ حقوق السكان.
ولا يعني ذلك التضييق على الشباب أو حرمانهم من حقهم المشروع في الترفيه والتواصل الاجتماعي، وإنما تنظيم هذا الحق بما يحقق التوازن بين حرية الفرد وحقوق المجتمع، بحيث لا تتحول حرية البعض إلى معاناة يومية للآخرين. فالحياة المدنية السليمة تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات، وعلى إدراك أن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا باحترام حدودها وعدم الإضرار بالغير.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الجهات التنفيذية وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي يجب أن تغرس في أبنائها قيم احترام الآخرين والشعور بالمسؤولية المجتمعية، وتمر بالمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية التي يقع على عاتقها نشر ثقافة احترام القانون والذوق العام، وتنتهي عند المواطن نفسه الذي ينبغي أن يكون شريكًا إيجابيًا في الحفاظ على راحة مجتمعه وسلامته.
إن المجتمع الذي يحترم حق المريض في الراحة، وحق الطالب في المذاكرة، وحق العامل في النوم، هو مجتمع يدرك أن التحضر لا يبدأ من الأبراج الشاهقة والطرق الواسعة أو فخامة الكمبوندات، بل يبدأ من احترام الإنسان للإنسان. فالهدوء ليلًا ليس امتيازًا يمنحه أحد لأحد، وإنما حق أصيل تكفله القيم الدينية والأخلاقية والقوانين المنظمة للحياة، وحمايته مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأسرة والمجتمع والدولة معًا. وعندما ندرك جميعًا أن كلمة مرتفعة أو ضحكة صاخبة في ساعة متأخرة قد تحرم مريضًا من الراحة أو طالبًا من التركيز أو أسرة كاملة من النوم، سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر تحضرًا ورحمة وإنسانية.




